التفت فارس إلى صاحب الصوت، والابتسامة تعلو شفتيه، ليصطدم بأحب الوجوه إلى قلبه منذ سنوات كثيرة… فهو صديق قديم له، وكان سبباً فى أن يحرص فارس على صلاته منذ أن كان فى المرحلة الثانوية. صافحه بحرارة مردداً: مش معقول! الشيخ بلال! واحشنى جداً.
نهض الرجلان وتعانقا طويلاً، ثم قال فارس بشغف: أنت كنت فين كل ده يا شيخ؟ ده أنا روحت سألت عليك فى بيتك، الوالدة قالتلى إنك مسافر. اقترب بلال منه وقال: كنت فى ألمانيا. اتسعت عينا فارس لبرهة، فضحك بلال بصوت خفيض قائلاً: إيه مالك؟
اتفاجئت كده ليه؟ اقترب منه فارس هامساً: ليه يا شيخ بلال؟ ده أنت يا إما فى المسجد، يا إما فى شغلك، يا إما فى البيت… خدّوك ليه؟ رفع بلال كتفيه قائلاً: ما أنت عارف بقى، يا فارس… طالما ملتزم وبتخطب فى مسجد، بيكون فيه تدقيق كبير وبتبقى إجراءات كتير.
قطب فارس جبينه وهو يقول: حسبى الله ونعم الوكيل… بيحاسبوا الواحد على حاجة مش عملها كده؟ ابتسم الشيخ بلال وهو يقول: سيبك منى أنا، خلاص تعبت من الحكاية دى… ها قولى بقى، أنا سمعت إنك اتخرجت… أولاً ألف مبروك، ثانياً ناوى تعمل إيه بعد التخرج؟
هتكمل فى المكتب ولا هتستنى حلمك الكبير؟ كاد فارس أن يتحدث، ولكن الإمام أقام الصلاة، فوقفا فى الصف وكبرا ليدخلا فى الصلاة. بعد انتهاء الصلاة، جلس كل منهما يتلو الأذكار، ثم خرجا سوياً من المسجد.
أخذ فارس ينظر إلى الشيخ بلال بحب وهو يقول: والله أنا مش مصدق إنى شوفتك تانى يا بلال… ده أنت واحشنى جداً والله. قال بلال مداعباً: وأنت والله يا فارس… ها يا عم، مش هتبقى وكيل نيابة بقى علشان تبقى تحقق معايا؟ أهو بدل الغريب برضه.
لم يستطع فارس أن يضحك أو حتى يبتسم، وهو يقول: أنا لو ربنا كرمنى، عمرى ما هبقى ظالم زى اللى بيحققوا معاك ومع غيرك يا بلال. بلال: يبقى أنت لسه على عهدك يا فارس وبتحلم بالنيابة… قولى بقى، شغال مع الأستاذ حمدى ولا سبته؟
فارس: لا، لسه طبعاً شغال معاه، وفى نفس الوقت هستنى التعيينات، وربنا يكتبلى اللى فيه الخير يا بلال… ادعيلى أنت بس. وقف بلال والتفت إلى فارس، ووضع يده على كتفه قائلاً بهدوء: ربنا يكتبلك اللى فيه خير ليك يا فارس، سواء فى دنيتك أو آخرتك… اسعى واجتهد واحلم، بس لو محصلش نصيب، افتكر دايماً إن الله سبحانه وتعالى لا يأخذ منك إلا ليعطيك… افتكر دايماً الكلام ده.
أومأ فارس برأسه وهو يقول بابتسامة: والله واحشنى كلامك يا بلال. كانا قد اقتربا من منزل فارس كثيراً وهما يتحدثان ويتذكران أيامهما السابقة، بينما وقف العم عامر على باب ورشته ينظر إليهما فى ترقب، وهو يقول: مين اللى مع الأستاذ فارس ده؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.