” أبطأ من سرعته قليلًا، وظل محتفظًا بصمته. فقالت: “أنا عارفة إنك زعلان مني، بس أنت مش ملاحظ إنك مكبر الموضوع شوية يا فارس؟” توقف فجأة والتفت إليها، وقال بانزعاج: “يعني إنتِ مش شايفة إنك عملتي حاجة غلط؟” ارتبكت وقالت بتلعثم: “يعني كنت أقوله إيه؟
هو اللي سلم وفضل ماسك إيدي.” حاول كتم انزعاجه بقوة وهو يقول: “يلا علشان أوصلك، أنا مش عاوز أتوتر في الشارع وصوتي يعلى.” ثم نظر لها بجدية قائلًا: “خلي بالك، إنتِ مبتراعيش مشاعري ولا وجودي خالص، وأنا مش هستحمل كده كتير.
” حاولت أن تدافع عن نفسها مرة أخرى، ولكنه لم يعطها الفرصة، وأوقف سيارة أجرة لتستقلها إلى منزلها. في اليوم التالي صباحًا، كان ينتظرها عند باب المحكمة. رافقته في رحلته اليومية من المحكمة إلى الشهر العقاري في صمت.
لم تحاول التحدث إلا بالقليل، وهو لم يتحدث إلا في العمل فقط، وهو يشرح لها، وهي تحاول حفظ الإجراءات وأماكن المكاتب وأدوارها حتى يسهل عليها التوجه إليها مباشرة عندما تقوم بالعمل بمفردها. علمت قدر التعب والجهد المبذول في عملهم في مهنة المحاماة، وخصوصًا في بداية الطريق.
فالنهار ينقضي هكذا تحت وطأة درجة الحرارة الشديدة في الصيف، بين التنقل بين المحاكم وأقسام الشرطة والشهر العقاري وغيرهم. وفي الليل، خلف مكاتبهم، يبحثون الأوراق ويدققون بها، بالإضافة إلى كتابة المرافعات والمذكرات وغيرها. علمت أن العمل ليس سهلًا أو يسيرًا على الإطلاق، فهي ليست موظفة عادية كما كانت تظن.
علمت الآن لماذا كان يقول لها دائمًا إن هذا العمل مرهق. عندما كان يقول لها ذلك، كانت تشعر بالاستياء، وبأنه يقلل من دورها وطموحها، ولكن بعد أن رأت بعينيها، علمت أنه كان يتحدث عن صعوبة الطريق.
فهل تعود إلى بيتها وتنتظر حتى يتم تحديد مصيرها كان فى طريقه إلى المنزل شارداً غارقاً فى تفكيره، لا يجد حصاة أمام قدميه إلا وركلها يميناً أو يساراً، وكأنها كرة يسددها نحو مرماها… المشوار طويل والجهد ليس قليلاً.. يا ترى يا فتاتى، هل تستطيعين الصبر؟
ماذا سيكون مذاقه على لسانك؟ هل سيحلو لكِ أم ستنفرين منه ومنى؟ سأقدم لكِ ما تريدين، ولكن انتظرينى فقط… فأنتِ تعلمين أننى لست رجلاً كسولاً أو قليل الطموح، ولا أهاب المصاعب… بل أواجهها بهدوء وثبات حتى أصل إلى مرادى… ولكن عندما أصل إلى القمة، هل سأجدك فى انتظارى؟
هل تحبيننى بما يكفى لتنتظرى؟ لست متأكداً مع الأسف… مر بالمنعطف المؤدى إلى بيته، واتجه إليه فى بطء، وهو يحاول إخفاء مشاعره حتى لا تقرأها والدته فى عينيه، فهى تجيد ذلك… ولكنه لم يلاحظ الفتاة التى كانت تقف فى نافذة حجرتها الصغيرة، ترمقه وتتفحصه، وكأنها كانت تنتظره، وقد جفاها النوم حتى تطمئن بعودته.
تنهدت بقوة وهى تراه يلج باب منزله، والتفتت للداخل لتطمئن أن أختها ما زالت غارقة فى نومها كما كانت تظن… فأغلقت نافذتها وأسْدلت ستائرها، واتجهت إلى فراشها، وما إن أسندت رأسها إلى وسادتها وأغمضت عينيها حتى سمعت أختها تقول بخفوت: خلاص اطمنتى إنه رجع؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.