هل تحبيننى بما يكفى لتنتظرى؟ لست متأكداً مع الأسف… مر بالمنعطف المؤدى إلى بيته، واتجه إليه فى بطء، وهو يحاول إخفاء مشاعره حتى لا تقرأها والدته فى عينيه، فهى تجيد ذلك… ولكنه لم يلاحظ الفتاة التى كانت تقف فى نافذة حجرتها الصغيرة، ترمقه وتتفحصه، وكأنها كانت تنتظره، وقد جفاها النوم حتى تطمئن بعودته.
تنهدت بقوة وهى تراه يلج باب منزله، والتفتت للداخل لتطمئن أن أختها ما زالت غارقة فى نومها كما كانت تظن… فأغلقت نافذتها وأسْدلت ستائرها، واتجهت إلى فراشها، وما إن أسندت رأسها إلى وسادتها وأغمضت عينيها حتى سمعت أختها تقول بخفوت: خلاص اطمنتى إنه رجع؟
فزعت عزة وحدقت فى أختها فى سريرها المجاور، تحاول اكتشاف عينيها فى الظلام، وقالت: أنتِ لسه صاحيه يا عبير؟ نهضت عبير وفتحت المصباح الصغير، الذى ينبعث منه ضوء ضعيف، ووضعت الوسادة على رجليها واستندت إليها، وقالت: أنتِ بتتعبي نفسك على الفاضى، وهو ولا هو هنا.
زفرت عزة بضيق وهى تقول: بطلى الأوهام اللى فى دماغك دى يا عبير، أنا مكنتش مستنية حد… أنتِ عارفة إنى مش بستحمل الحر وكنت واقفة بتهوى شوية فى الشباك. شبكت عبير أصابع كفيها وقالت: على فكرة أنا أختك ها… يعنى مش عدوّتك ولا حاجة، يعنى هترتاحى لما تتكلمى معايا.
نهضت عزة وأغلقت المصباح الصغير، وعادت إلى فراشها وهى تقول: نامى يا عبير نامى، وياريت تشيلى الأوهام دى من دماغك. وضعت عبير وسادتها مكانها، واستراحت على فراشها وهى تقول بهمس: يا ريت يا عزة تكون أوهام فعلاً.
فى الصباح، وهو فى عمله، اكتفى بأن يتحدث معها فى العمل فقط، رغم محاولتها للتقرب منه، ولكنه ما زال متحفظاً معها. وقفت فى الطريق فجأة وقالت بإجهاد: خلاص مش قادرة، تعبانة أوى. التفت إليها بقلق قائلاً: استنى، أوقف لكِ سيارة وأروحك، وأبقى أرجع أنا أكمل الشغل.
وقبل أن يشير لسيارة أجرة، أوقفته بيدها وهى تقول: استنى بس، أنت إيه؟ معندكش تفاهم؟ هتشاور للسيارة على طول كده؟ نظر إليها يتفحصها فى صمت، ثم قال: بتمثلى يا دنيا؟ عاملة فيها تعبانة؟ ابتسمت وهى تلمس أصابعه وقالت: أعمل إيه بقى؟
ما أنت مخاصمنى ومش عاوز تدينى كلمة حلوة خالص. حاول أن يخفى ابتسامة ظهرت على شفتيه بصعوبة، ثم تنحنح ليخفيها وقال بجدية: خلاص يبقى يلا نكمل الشغل اللى ورانا. أمسكت ذراعه لتوقفه عن التقدم وقالت بدلال: طب أنا عطشانة، ممكن تشربنى الأول؟
أشاح بوجهه عنها وأخذ يتلفت حوله، ثم قال: تعالى نعدى الشارع. عبرا الطريق، وإذا به يدخلها أحد المحال، ثم اشترى كوبين من العصير وقدم لها واحداً قائلاً: اتفضلى. نظرت إلى الكوب بيده، ثم نظرت إليه قائلة: إيه ده؟ نظر إليها بدهشة قائلاً: إيه؟
مش عارفاه؟ عصير قصب. قالت باستنكار: ما أنا عارفة إنه عصير قصب… بس أنا بقولك تعبانة وعطشانة، تقوم تجيبلى عصير قصب؟ كنت فاكراك هتقعدنى فى مكان هادى أستريح فيه شوية، مش تدخلنى محل عصير قصب.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.