رفعت راسي لفوق، ولفيت ضهري للبلكونة بكل برود وهدوء، ومسكت إيد بنتي هند في إيدي، وإيد ندى في إيدي التانية، وبصيت ليهم وابتسمت ابتسامة صافية أول مرة أحسها من سنين طويلة، وقولت بصوت سمعه الشارع كله اقفلي البلكونة يا هند يا بنتي، الجو برة مليان تراب.
.. وتعالوا ندخل نشرب الشاي ونجهز شنطنا عشان نسافر المنصورة سوا. ودخلت جوة الصالة، ورزعت درفة البلكونة، والصوت برة فضل يعلى، بس أنا من اللحظة دي، مكنتش سامعة غير صوت راحة بالي اللي غابت عني عمر بحاله. لكن وأنا بلم الشنطة الأخيرة في أوضتي، تليفوني رن.
.. الرقم كان من مباحث الأموال العامة، والظابط قال جملة خلتني أقف مكاني مذهولة وأعرف إن الحكاية لسه فيها مفاجأة أكبر من كل اللي فات! يتبع الجزء الثالث حكايات مني السيد حصري ألو... الحاجة إسراء عبد الرحمن؟
الصوت كان رجولي، صارم وجاد لدرجة خلت التليفون يتقل في إيدي، وبناتي الاتنين وقفوا تلميح لحركتي وبصوا لي بقلق. أيوا يا فندم، أنا إسراء... خير يا ابني؟ مين معايا؟ معاكي المقدم شريف من مباحث الأموال العامة ومكافحة التهرب والاحتيال العقاري.
يا حاجة، مطلوب حضورك بكرة الساعة تسعة الصبح لمبنى النيابة العامة لسماع أقوالك كشاهدة إثبات ومجني عليها في قضية الڼصب العقاري وتبييض أموال المقيدة برقم ٤٨ لسنة ٢٠٢٦، ضد المدعوة شيرين فهمي عبد السلام، والمدعو محمود حسن توفيق، والمدعو صبحي النمر تاجر الخردة.
الاسم نزل عليا زي الرعد. صبحي النمر ده تاجر الخردة اللي كان ماسك محمود من قفاه تحت في الشارع! وشيرين؟ ومحمود؟! يا فندم... صبحي ده لسه واقف تحت الشارع بيبهدل ابني وبيطالبه بفلوس وشرط جزائي! هو محمود متهم ولا واقع في ورطة بجد؟
الظابط طلع منه تنهيدة خفيفة فيها استهزاء بارد المشهد اللي إنتِ شوفتيه تحت البلكونة ده يا حاجة، كان تمثيلية بلدي هابطة اتعملت قدام أهالي الحتة عشان تضطري تنزلي في اللحظة الأخيرة، وتتنازلي عن شكواكِ وبلاغ بطلان التوكيل، وتدفعي من معاكِ أو تمضي على عقد التنازل رسمي تحت ضغط الشفقة وإنقاذ ابنك من السچن.
صبحي النمر مش شاري حسن نية... صبحي ده شريك شيرين ووالدها في شبكة مقاولات وهمية بتشتري بيوت الأهالي الكبار في السن بعقود مضړوبة وتوكيلات ملعوب فيها، ويهدموها ويدخلوها في مشاريع استثمارية بغسيل أموال. التليفونات كانت متراقبة بإذن نيابة، ومكالمات ابنك ومراته وصبحي مسجلة بالصوت والصورة من أسبوع كامل.
مطلوب حضورك الصبح بالبطاقة وأصل عقود ملكية البيت. الخط اتقفل، وإيدي نزلت بالتليفون على السرير. قعدت على المرتبة وندى وهند جريوا عليا في إيه يا ماما؟ مين اللي كان بيتكلم؟ بصيت للبنتين، ولقيت نفسي بهز راسي ببطء، وشفايفي بتتحرك في ذهول تمثيلية.
.. كانت تمثيلية يا بنات. الواد مكنش بيتضرب بجد، ده كان بيعمل نمرة في الشارع عشان قلبي يحن، عشان أموت من الخۏف عليه وأنزل أرمي نفسي تحت رجلين التاجر وأقوله هتنازل عن البيت وأديك كل اللي حيلتي بس سيب ابني! لدرجة دي؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.