بل انتشرت تاريخيا في العديد من حواضر العالم الإسلامي اقتداء بهذا النموذج الرائد ويرجح بعض المؤرخين أن الخليل نفسها كانت صاحبة السبق في ابتكار هذه المنــ,,ـــــارات الخيرية التي اقتفت أثرها مدن أخرى فمثلا في القدس الشريف تأسست في العصر العثماني تكية خاصكي سلطان عام 1552م قرب المسجد الأقصى المبارك قامت
السلطانة ركسيلانة (هرم سلطان) زوجة سليمان القانوني بإنشاء تلك التكية ووقف أوقاف هائلة لها شملت ريع أكثر من 90 قرية ومدينة لتأمين مواردها وإلى اليوم ما زالت تكية خاصكي سلطان في القدس تعمل وتقدم الطعام المجاني للفقراء ورواد الأقصى خاصة في شهر رمضان وهي بذلك ثاني أقدم تكية في فلسطين
بعد تكية الخليل العثمانية تاريخا وتذكر المصادر أن تكية القدس هذه كانت تطعم في الماضي مئات الفقراء يوميا وحديثا خلال شهر رمضان يستفيد منها نحو 500 شخص يوميا في القدس وفي مدن أخرى من العالم الإسلامي ازدهرت تقاليد مشابهة ففي مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدت عبر التاريخ ما يعرف ب"الرباط"
أو "المطعم الخيري" لإطعام الحجاج وأبناء السبيل وفي القاهرة خلال العصر المملوكي والعثماني كانت هناك "موائد للأيتام والفقراء" تنصب في الساحات خاصة في رمضان تسمى "موائد الرحمن" لازال تقليدها قائما حتى اليوم في مصر كما أقام العثمانيون شبكات واسعة من المطابخ الخيرية (تعرف باسم "إمامارات" أو "عمارة") في مدنهم الكبرى
كإسطنبول ودمشق وبغداد وكانت جزءا من الأوقاف الملحقة بالمساجد الكبيرة مثلا مطبخ السلطان سليمان القانوني في إسطنبول كان يطعم المئات يوميا ضمن مجمع سليمانية الشهير أما في العصر الحديث فقد أحيت دول إسلامية عدة هذه الفكرة بمبادرات عصرية في الأردن تأسست عام 2003 "تكية أم علي" كمؤسسة غير حكومية مبنية
على نموذج التكية التقليدي أنشأتها الأميرة هيا بنت الحسين تخليدا لذكرى والدتها الملكة علياء وتعد أول مبادرة من نوعها لمكافحة الجوع في الأردن والعالم العربي تقدم "تكية أم علي" آلاف الطرود الغذائية شهريا للأسر المحتاجة بالإضافة إلى وجبات ساخنة دورية معتمدة على التبرعات ووقف الطعام تماما كنهج تكية الخليل وفي
دول أخرى كباكستان وإندونيسيا وتركيا تنتشر مطابخ الفقراء التابعة لجمعيات خيرية أو مساجد كبرى تطعم مئات المحتاجين يوميا خاصة أثناء الكوارث والأزمات الاقتصادية هذه المبادرات وإن اختلفت مسمياتها يجمعها هدف واحد هو إحياء سنة التكافل وإطعام الجياع دون مقابل لا شك أن تكية سيدنا إبراهيم في الخليل تبقى من ألمع
النماذج تاريخا واستمرارا وهذا ما دفع الكثيرين لزيارتها والاطلاع على آليات عملها للاستفادة منها فمثلا زارها وفد من إحدى الجمعيات الخيرية في غزة مؤخرا لنقل تجربة "مطبخ التكافل" إلى القطاع المحاصر وبالفعل بدأت مطابخ خيرية هناك بتوزيع وجبات ساخنة للفقراء تحمل اسم "تكية" تيمنا بهذا النموذج كذلك في دول مثل
السودان واليمن برزت مبادرات شبيهة خلال الفترات الصعبة لإغاثة الأسر المحتاجة يوميا هذه الأمثلة تؤكد أن فعل الخير معد وأن نموذجا ناجحا كتكية الخليل قادر على الانتشار إذا توفرت الإرادة وحسن التنظيم إن تجربة تكية الخليل تعطينا دروسا مهمة في كيفية بناء مشاريع مستدامة لإطعام الفقراء يمكن تعميمها في مختلف



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.