لكن الشعور وحده لا يكفي لفتح قبر، ولا يكفي لإجبار الشرطة على إعادة التحقيق، ولا يكفي لإثبات أن القصة المعلنة ليست سوى واجهة. في عام 2026، حدث ما لم تكن إيلواز تتوقعه. عُيّن ضابط جديد ومحقق كفء في شرطة المنطقة.
بدأ الرجل يراجع الملفات القديمة المعلقة، تلك الملفات التي ينام بعضها في الأدراج لسنوات، لا لأن الحقيقة غير موجودة، بل لأن أحدًا لم يمد يده في الوقت المناسب ليفتش عنها. وبين هذه الملفات، توقف أمام ملف فريد بوزيد. لم يكن الملف كبيرًا في الظاهر.
رجل اختفى، شريكته قالت إنه رحل، الشرطة لم تجد شيئًا، وانتهى الأمر. لكن المحقق لم يكتفِ بهذه الخلاصة. في بعض القضايا، لا تكون المشكلة في غياب التفاصيل، بل في أن التفاصيل الموجودة لم تُقرأ بالطريقة الصحيحة. قرر فتح التحقيق من جديد. بدأ المحقق يسأل.
عاد إلى الجيران، واستمع إلى ما يتذكرونه من تلك الفترة. سأل عن فريد، عن علاقته بإيلواز، عن يوم اختفائه، عن كلامها بعد غيابه، وعن أي تصرف غريب حدث في الأسابيع التالية. كما أعاد سؤال إيلواز نفسها، محاولًا أن يسمع الرواية من جديد بعد ثماني سنوات.
وهنا بدأت الخيوط الرفيعة تظهر. لاحظ المحقق تناقضًا في أقوال إيلواز. لم تكن روايتها ثابتة تمامًا. بعض الجيران قالوا إنها أخبرتهم أن فريد ذهب إلى ألمانيا. آخرون قالوا إنها ذكرت الجزائر. قد يبدو الفارق بسيطًا، لكن في التحقيقات لا تكون التناقضات الصغيرة بريئة دائمًا.
إذا كان الإنسان يعرف حقيقة واضحة، فلماذا تتغير الوجهة من شخص لآخر؟ ولماذا لم يكن هناك دليل واحد على أنه وصل إلى أي مكان؟ لكن التناقض وحده لم يكن كافيًا. ثم ظهرت المعلومة التي غيرت كل شيء.
أحد الجيران تذكر أن إيلواز، بعد اختفاء فريد بنحو شهر واحد فقط، بدأت تتحدث عن رغبتها في صب الإسمنت وإنشاء تراس في الحديقة. قالت لهم إنها تريد تغيير جو البيت، وأنها تحتاج إلى مساحة تساعدها على الخروج من حالة الكآبة والحزن بعدرحيل فريد.
كانت الصورة مؤثرة امرأة تركها شريكها، تريد أن تصلح حديقتها، أن تصنع ركنًا صغيرًا تجلس فيه مع طفلها، أن تهرب من ثقل البيت والذكريات. تعاطف الجيران معها. ساعدوها في نقل أكياس الإسمنت والخرسانة الثقيلة. ربما شعروا أنهم يفعلون شيئًا إنسانيًا لامرأة وحيدة تمر بمحڼة.
حملوا الأكياس، ساعدوا في تجهيز المكان، وشاركوا في بناء تلك الجلسة الصغيرة في الحديقة. لكنهم لم يكونوا يعرفون ما الذي كان مدفـ,ـونًا تحت أقدامهم. عندما سمع المحقق هذه التفاصيل، توقف. هنا لم يعد الأمر مجرد تناقض في الكلام.
ظهرت أمامه واقعة مادية غريبة امرأة تقول إن شريكها هجرها وتركها في ضيق، وتشتكي من أعباء الحياة وفقدان المعيل، ثم بعد شهر واحد فقط تصب بلاطة خرسانية في الحديقة وتنشئ تراسًا جديدًا. السؤال كان واضحًا ومزعجًا لماذا الآن؟ ولماذا فوق هذا المكان تحديدًا؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.