لكن الحياة التي تبدو هادئة من الخارج لا تكون دائمًا كذلك من الداخل. خلف باب البيت، بدأت الخلافات بين فريد وإيلواز تكبر. لم يكن الأمر مجرد اختلاف عابر بين رجل وامرأة، بل تراكمًا يوميًا من طباع مختلفة، وثقافات مختلفة، وردود أفعال متباعدة.
أحيانًا يكبر الشجار من كلمة، وأحيانًا يتحول الصمت نفسه إلى شجار. ومع الوقت، لم يعد البيت كما كان في البداية. أصبحت العلاقة مرهقة، مشحونة، يثقلها التوتر كل يوم أكثر من الذي قبله. في عام 2016، وصل الخلاف بينهما إلى مرحلة رسمية، حين قدمت إيلواز بلاغًا ضد فريد تتهمه فيه بالاعتد اء.
كان البلاغ خطيرًا،وكان يمكن أن يفتح بابًا كبيرًا من الإجراءات والتحقيقات، لكنها بعد أيام قليلة تراجعت عنه. قالت إن الأمر لم يكن كما بدا، وإنها كانت في لحظة ڠضب، وإن ما حدث لم يكن سوى شجار بسيط خرج عن السيطرة بالكلام والانفعال.
تنازلت عن البلاغ، وعاد كل شيء ظاهريًا إلى مكانه. لكن بعض الأشياء، حتى لو تم التراجع عنها على الورق، لا تعود كما كانت في النفوس. استمرت الحياة بينهما، لكن الشرخ ظل موجودًا. المشاحنات لم تتوقف، والكلام الحاد لم يختف، وفريد بدأ يشعر أنه يختنق داخل هذه الدائرة.
صار يفكر في الرحيل، لا كټهديد عابر، بل كاحتمال جدي. تحدث معها أكثر من مرة عن الانتقال إلى مدينة أكبر مثل لييج، حيث الفرص أكثر والحياة أوسع، وربما يستطيعان هناك فتح صفحة جديدة بعيدًا عن ضغط المكان والعزلة. وفي أوقات أخرى، كان يطرح فكرة السفر إلى ألمانيا.
هناك، كما كان يقول، يوجد بعض أصدقائه الجزائريين وأقرباؤه. هناك ربما يجد من يفهمه، ومن يساعده، ومن يمنحه بداية مختلفة. لم تكن الفكرة بعيدة عنه، بل كان يكررها في لحظات الڠضب إذا استمر الوضع هكذا، سأجمع حقائبي وأرحل نهائيًا إلى ألمانيا. كان هذا الټهديد حاضرًا في البيت.
جملة تتكرر عند الشجار، وتترك خلفها قلقًا ثقيلًا. هل سيرحل فعلًا؟ هل سيترك البيت؟ هل سيأخذ معه شيئًا؟ هل سيختفي من حياة إيلواز وطفله؟ لا أحد كان يعرف. لكن المؤكد أن العلاقة لم تعد آمنة ولا مستقرة.
ثم جاء عام 2018. كان ابن فريد قد بلغ الرابعة من عمره تقريبًا. طفل صغير لا يعرف شيئًا عن خلافات الكبار، ولا يفهم معنى الټهديد بالرحيل، ولا يستطيع أن يقرأ التوتر في الوجوه كما يقرأه البالغون.
بالنسبة له، البيت هو البيت، والحديقة هي مكان اللعب، ووجود الأب والأم حوله هو العالم كله. في صباح أحد الأيام، استيقظت إيلواز وأبلغت عن اختفاء فريد. قالت إن فريد لم يعد موجودًا في المنزل. فتحت خزانته، وأخبرت من حولها أن ملابسه اختفت، وأنه جمع أغراضه ورحل.
بدأت تكرر رواية واحدة في ظاهرها بسيطة فريد غادر البيت بإرادته، تركها هي وطفلهما، ومضى إلى مكان آخر. وربما، كما قالت للبعض، سافر إلى ألمانيا حيث أصدقاؤه وأقاربه. وربما، كما قالت لآخرين، عاد إلى الجزائر.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.