ضغط أحدهم مفتاح الكهرباء... وأضاء البيت من جديد. قد تكون بالنسبة إلى أي منزل آخر لحظة عادية جدًا. مصباح يضيء. غرفة تصبح واضحة. أطفال يستطيعون رؤية ما حولهم. لكن داخل بيت محجوبة، لم تكن تلك اللحظة عادية. عاد نور الكهرباء... لكن صاحبة البيت لم تعد.
أضاءت المصابيح من جديد، بينما بقي المكان يفتقد المرأة التي كانت تستيقظ كل صباح لتدبر احتياجاته. كانت لفتة إنسانية طيبة من العاملين والمسؤولين، خففت جزءًا صغيرًا جدًا من قسوة الموقف، لكنها بالطبع لم تستطع أن تعوض الأسرة عن خسارتها الكبرى.
فالفاتورة يمكن دفعها. وكارت الكهرباء يمكن شحنه. والنور يمكن أن يعود بضغطة مفتاح. لكن الأم التي رحلت لا يمكن تعويض مكانها بسهولة. وهذا بالتحديد ما جعل حكاية محجوبة تمس قلوب كثير من الناس. خلف كل تفصيل فيها قصة كفاح.
حتى مبلغ الـ200 جنيه الذي كانت تسعى إليه في يومها الأخير لم يعد مجرد رقم. كان يمثل يومًا كاملًا من العمل. يمثل ساعات من التعب في الأراضي الزراعية. ويمثل احتياجات أربعة أطفال تنتظرها في المنزل. كانت محجوبة تعرف قيمة كل جنيه لأنها تحصل عليه بتعبها.
وربما لهذا السبب كان حلم تجهيز ابنتها سميحة يحتاج منها إلى صبر طويل. فكيف تستطيع أم تعيش من أجر يومي محدود، ولديها أربعة أطفال وبيت كامل تتحمل مسؤوليته، أن توفر احتياجات ابنة تستعد للزواج؟ كان الأمر يحتاج إلى شهور وربما سنوات من التدبير. قليل هنا.
وقليل هناك. شراء شيء وتأجيل آخر. توفير مبلغ صغير كلما استطاعت. كانت تفعل ما تستطيع، مثل آلاف الأمهات البسيطات اللواتي لا تظهر أسماؤهن في الأخبار، لكنهن يحملن بيوتًا كاملة فوق أكتافهن. ثم جاء ذلك اليوم. خرجت محجوبة مع ابنتها.
ولم تعد. وتحول حلم تجهيز سميحة إلى مسؤولية جديدة ألقتها الحياة فجأة على كتفي الابنة. فالفتاة التي كانت تنتظر أن تفرح بها أمها، أصبحت أمام واقع آخر. أمها رحلت. وإخوتها يحتاجون إلى من يقف بجوارهم. ووالدها يعاني من ظروفه الصحية. وسميحة نفسها كانت قد خرجت من الحـ,ـادث مصابة.
كل شيء تغير في ساعات قليلة. في الصباح كانت ابنة تسير بجوار أمها. وفي المساء أصبحت أمام مسؤوليات لم تكن تتوقع أن تواجهها بهذه السرعة. ولعل هذا هو الجانب الأصعب في الحكاية. الحوادث تقع في لحظات، لكن آثارها تستمر طويلًا. لحظة واحدة على الطريق كانت كافية لتغيير مستقبل أسرة بأكملها.
أربعة أطفال تغيرت حياتهم. ابنة مخطوبة تغيرت مسؤولياتها. بيت فقد المرأة التي كانت تدبر تفاصيله اليومية. وقرية كاملة وجدت نفسها أمام قصة إنسانية لم يكن من السهل تجاوزها. لهذا حزن أهل القرية على محجوبة. ولذلك انتشرت قصتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ الناس يتداولون تفاصيل حياتها، لا لأنها كانت شخصية مشهورة، بل لأنها كانت نموذجًا لامرأة بسيطة تعيش من أجل أولادها.
لم تكن تمتلك ثروة. ولم تكن صاحبة منصب. ولم تكن معروفة قبل الحـ,ـادث. كانت أمًا بسيطة. وهذا وحده كان كافيًا لكي يفهم كثير من الناس قصتها. كل من رأى أمًا تتعب من أجل أولادها استطاع أن يرى شيئًا منها في محجوبة.
كل من يعرف أسرة تحسب مصروفها يومًا بيوم فهم معنى أن تخرج امرأة للعمل من أجل 200 جنيه. وكل أم لديها ابنة تستعد للزواج فهمت حلم محجوبة بأن ترى سميحة عروسًا أمام عينيها. لهذا لم تكن قصة رحيلها مجرد رقم يضاف إلى ضحايا حـ,ـادث.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.