بنتي اللي كان عندها 18 سنه

نُشر منذ شهر
حفظ
غلاف المقال

كان الصندوق مليان ورق. جوابات بنتك. وصور. وتحليل قديم. قلت: — تحليل إيه؟ نادية طلعت ورقة من الملف. — أبو يوسف شك في الحمل وقتها. قدر بطريقة ما يحصل على عينة محفوظة مرتبطة بالطفل بعد الولادة، وعمل فحص نسب بشكل خاص. يوسف قال بصدمة: — يعني أبويا كان عارف؟

هزت رأسها. — من عشر سنين. ساد صمت مرعب. يوسف سأل: — كان عارف إن عندي ابن وسكت؟ — أيوه. — وإنتِ؟ قالت: — أنا ما عرفتش نتيجة التحليل غير بعد وفاته. فتحت الصندوق… ولقيت النتيجة. نسبة إثبات الأبوة كانت قاطعة. ولقيت معها الجواب الأخير. وعليه ورقة صغيرة بخط بنتك. مدتها ليا.

كان مكتوب: «لو حصل لي حاجة، أرجوكي وصّلي الكلام ده ليوسف. ولو معرفتيش… على الأقل، لما ابني يكبر ويبقى قادر يفهم… قوليله الحقيقة.» رفعت عيني لنادية. قالت: — فهمت وقتها إن سكوتي ما بقاش خوف. — بقى ذنب. هزت رأسها. — عشان كده دورت عليكم. سألتها: — وعرفتي ميعاد زيارتنا للقبر إزاي؟

قالت: — سألت حارس المقابر. قال إنك بتيجي كل سنة في نفس اليوم تقريبًا مع الولد. بصيت لحفيدي. كان قاعد قدام قبر أمه وبيحط الكارت بين الورد. وبعدين قال بصوت واطي: — ماما… أنا لقيت بابا. يوسف سمعه. وقف مكانه كأنه نسي يتنفس. حفيدي قام. مشى ناحيته. وبصله.

— بس زي ما ماما قالت… واحدة واحدة. يوسف ابتسم والدموع في عينه. — واحدة واحدة. ومد إيده. حفيدي بص لها ثواني… وبعدين مسكها. ما حضنوش. ما قالوش يا بابا. لكن بالنسبة ليوسف… مسكة الإيد دي كانت بداية عمر كامل. مرت سنة.

يوسف ما حاولش يفرض نفسه علينا. وده كان أهم وعد نفذه. في الأول كان بيشوف حفيدي مرة في الأسبوع. يروحوا يلعبوا كورة. أو ياكلوا آيس كريم. أحيانًا يرجع الولد ساكت. وأحيانًا يدخل البيت ويحكيلي ساعتين من غير ما يسكت. وفي ليلة، سألني: — يا جدتي… لو حبيت بابا، إنتِ هتزعلي؟

حضنته. وقلت: — أنا ربيتك عشان قلبك يبقى مليان حب، مش عشان تختار بين الناس اللي بيحبوك. بعدها بشهور… يوسف بدأ ييجي عندنا يوم الأحد. وفي أول مرة قعد على سفرتنا، حفيدي حط قدامه طبق الفطير وقال: — ده فطير جدتي. أحسن فطير في الدنيا. يوسف ضحك. — مامتك كانت بتقول نفس الكلام.

حفيدي سكت. وبعدين ابتسم. بقى يسأله عن أمه. ويوسف يحكيله عن أيام المدرسة. عن أول مرة شافها. وعن اليوم اللي وقعت منه الكتب في الشارع فضحكت عليه بدل ما تساعده. بقى حفيدي يعرف أمه كشخص… مش مجرد صورة معلقة في البيت.

أما نادية… فسامحتها؟ مش بسهولة. يمكن جزء مني عمره ما هينسى إن عشر سنين من حياة حفيدي ضاعوا بسبب سكوت عيلتها. لكنها ما طلبتش مني أنسى.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
هه

هند هند ✦ ناشر

كاتب · MA

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
957مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

دفنوني حي بعد سقوطي القصص

دفنوني حي بعد سقوطي

سقوط رجلين في قبضة الشرطة بعدما سجلو فيديو نمكنت مباحث مركز السادات بمديرية أمن المنوفية ،…

هند هند 0.0 4 دقائق