— وأنا مش هطلب منك. — ممكن أناديك يوسف؟ ابتسم وسط دموعه. — دي أحلى كلمة سمعتها منك. لكن قبل ما نمشي… يوسف مد إيده ليا بملف. وقال: — في حاجة تانية لازم تعرفيها. قلت بخوف: — إيه؟ قال: — بنتك ما سابتش رسالة واحدة بس. فتح الملف. وكان جواه مجموعة جوابات.
كل جواب مكتوب عليه تاريخ مختلف. قال: — كانت بتكتبلي طول فترة حملها. بصيت لنادية. يوسف كمل: — لكن ولا جواب منهم وصلني. وقتها نادية غطت وشها بإيديها. وعرفت إن الوعد اللي جت تنفذه بعد عشر سنين… كان لسه مخبي آخر سر. مسكت الجواب الأخير.
التاريخ المكتوب عليه كان قبل ولادة حفيدي بيومين بس. فتحت الورقة وأنا حاسة إني مش قادرة أتنفس. كان خط بنتي مهزوز أكتر من باقي الجوابات. بدأت أقرأ: «يوسف… دي يمكن تكون آخر رسالة أكتبها لك. أنا مش عارفة ليه اختفيت، ومش عارفة إذا كنت اخترت تبعد ولا في حاجة منعتك.
لكن لازم تعرف إن عندك ابن. أيوه… ابن. أنا في آخر أيام الحمل. كل يوم بحط إيدي على بطني وأحكيله عنك. بقوله إن أبوه كان بيضحكني لما أكون زعلانة، وإنه كان نفسه يعلمه يلعب كورة. أنا مش هربيه على إنه يكرهك.
حتى لو إنت فعلًا اخترت تمشي. بس عندي طلب واحد… لو الرسالة دي وصلتلك يومًا… دور عليه. وخليه يعرف إن وجوده عمره ما كان غلطة.» وقفت عن القراءة. ما قدرتش أكمل. يوسف أخذ الورقة من إيدي. كانت دموعه بتنزل في صمت. لكن فجأة… حفيدي قال: — كمّل. يوسف بصله.
الولد كرر: — عايز أعرف ماما قالت إيه. يوسف مسح دموعه وكمل: «ولو حصل لي حاجة وأنا بولد… أمي هتكون معاه. أنا عارفة إنها هتحبه أكتر من نفسها. متاخدوش منها. متدخلش حياتهم فجأة وتفتكر إنك تقدر تعوض السنين في يوم.
خليك صبور. ولو ابني في يوم حب يعرفك… خليه هو اللي يختار.» يوسف وقف عن القراءة. بصلي وقال: — حتى وهي خايفة تموت… كانت بتفكر في حضرتك. حضنت الورقة على صدري. وقلت: — كانت عارفة إني مستحيل أسيبه. لكن كان عندي سؤال واحد. بصيت لنادية. — الجوابات دي كانت فين عشر سنين؟
نادية ردت: — عندي. يوسف لف ناحيتها بصدمة. — إيه؟ قالت وهي بتبكي: — بنتها بعتتهم على عنوان بيتنا القديم. أبوك استلم أول جواب… وبعدها طلب مني أخبي الباقي. يوسف قرب منها. — وإنتِ وافقتي؟ — أيوه. — عشر سنين يا أمي؟ نادية ما قدرتش تبص في عينه. وقالت: — كنت فاكرة إني بحميك.
ضحك يوسف بمرارة. — حميتيني من إيه؟ من ابني؟ — كنت خارج من عمليات، وأبوك كان بيقول إن حياتك ومستقبلك هيضيعوا. يوسف رفع الجواب قدامها. — ومستقبلها هي؟ وأشار ناحية القبر. — مين كان هيحميه؟ نادية انهارت. لكن حفيدي قال فجأة: — خلاص. كلنا بصينا له.
كان واقف جنب قبر أمه، ماسك الكارت اللي رسمه لها. وقال: — أنا مش عايز أول يوم أعرف فيه بابا يبقى كله خناق. وساعتها… لأول مرة فهمت إن الطفل اللي كنت فاكرة إني بحميه من الدنيا… كبر من غير ما أحس.
قبل ما نمشي، سألت نادية: — لسه ما جاوبتيش على أهم سؤال. بصتلي. قلت: — ليه دلوقتي؟ — ليه بعد عشر سنين بالضبط قررتي تتكلمي؟ سكتت شوية. وبعدين قالت: — لأن جوزي مات من شهر. يوسف بص لها. لكنها كملت: — وقبل وفاته بأيام، طلب مني أجيب صندوق صغير من الخزنة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.