في الداخل، رأيتُ كريم يجر حقيبتين كبيرتين. قال كريم بنبرةٍ حاول أن يجعلها طبيعية صباح الخير يا ماما شكرًا إنك جيتي بدري. ابتسمتُ أنا جاهزة من زمان. كنتُ على وشك أن أسأل إن كانت كل الأوراق معهم، أو إن كانوا يريدون شيئًا من الصيدلية قبل المطار، حين تقدمت سارة خطوةً وقالت ببرودٍ غريب، كأنها تُبلّغني بموعد المطر مريم في الآخر ماما هي اللي جاية.
حضرتك لا. تجمدتُ. لم أفهم الجملة أول مرة، كأن عقلي رفض أن يستقبلها. ثم سمعتها ثانية داخل رأسي، واضحةً قىاسية حضرتك لا. قلتُ بصوتٍ خرج بصعوبة ماذا تعنين؟ أنا لا؟ رفعت سارة كتفيها بلا اكتراث أمي هدى محتاجة تغيير جو. وبما إن حضرتك يعني بتسافري كتير، فقلنا ده الأعدل.
التفتُّ إلى كريم. كنتُ أتوقع أن يضحك ويقول إنها تمزح، أو أن يعترض، أو حتى أن يبدو مرتبكًا حقًا. لكنه تنحنح فقط، ثم قال بصوتٍ متردد ماما مش موضوع شخصي. هدى بتمر بظروف صعبة. تراجعتُ خطوة كأن الهواء دفعني للخلف. نظرتُ إلى الحقائب، ثم إلى مفاتيح السيارة في يدي.
شعرتُ بقدرٍ هائل من الخجل، ليس لأنهم أساؤوا إليّ فقط، بل لأنني فجأة رأيتُ نفسي بعين الجيران الذين قد يفتحون نوافذهم الآن امرأة جاءت لتُسافر، فطُردت من الرحلة عند الباب. كنتُ أستطيع أن أقول أنا التي دفعت، أنا التي رتبت، أنا التي لكنني أدركت في لحظةٍ قصيرة أن الصړاخ لن يعيد كرامةً سىقطت.
الصىراخ سيُسعدهم لأنه سيجعلهم يرونني أتشبث. وأنا لم أعد أريد أن أتشبث. تنفستُ ببطء، ورسمتُ على وجهي ابتسامةً هادئة لا معنى لها. قلتُ حسنًا. أتمنى لكم رحلة سعيدة. سارة قالت بسرعة شكرًا لتفهمك. كريم حاول أن يقترب ماما رفعتُ يدي إشارةً قصيرة توقفه لا داعي. استمتعوا. استدرتُ ومشيتُ نحو السيارة.
لم أهتز. أو هكذا بدا الأمر من الخارج. لكن في الداخل، كان شيءٌ ما ينهار بهدوء. قدتُ بلا موسيقى، والمدينة تمر من حولي كأنها لا تعرف أنني خرجتُ لتوي من حيانةٍ عائلية مؤلمة. وصلتُ البيت، أغلقتُ الباب، وجلستُ على الكرسي دون أن أخىلع حذائي.
فتحتُ الملف الأزرق. كانت الأوراق مرتبة بعناية أرقام الحجز، أسماء النزلاء، مواعيد القطارات، أسماء الجولات. وفجأة، بدأتُ أرى الحقيقة في التفاصيل كل شيء على بريدي الإلكتروني، وكل المدفوعات عبر بطاقتي، وكل التأكيدات تصلني أنا أولًا. لم يكن ذلك صدفة؛ أنا من فعلته هكذا لأنني أحب التنظيم.
لكن التنظيم اليوم صار سلاحًا. قلتُ لنفسي بصوتٍ واضح إذا استطاعوا أن يبدّلوا الراكبة عند باب الشىقة، فأنا أستطيع أن أبدّل أشياء قبل أن تهبط الطائرة. لم يكن في ذلك انتفامٌ أعمى. كان ردًّا محسوبًا. أنا لا أريد أن أكسرهم، بل أريد أن أعيد ترتيب الميزان.
أريد أن أعرف أن هناك حدودًا لا تُداس ثم تُغفر ببساطة. ذلك المساء، اتصلتُ بأول فندق في روما. كنتُ قد اخترته بعناية لأنه يطل على ساحة جميلة، ولأنه من الفنادق التي تحترم التفاصيل. أجابتني موظفة الاستقبال بالإنجليزية، فطلبتُ منها تحويل المكالمة إلى مسؤول الحجوزات.
ثم قلتُ بصوتٍ هادئ ثابت مساء الخير. أنا مريم عادل. أحتاج إلى تحديث عاجل على الحجز. سألتني عن رقم الحجز، فأعطيته لها. سألتني عن البريد الإلكتروني، فأكدته. ثم قالت نعم، الحجز لثلاثة أشخاص. قلتُ ببساطة ألغوا الاسم الثاني، وأضيفوا بدلًا منه اسمًا آخر.
وسأرسل لكم نسخة من جواز السفر عبر البريد. ترددت للحظة، ثم سألت هل لديكِ صلاحية التعديل؟ ابتسمتُ لنفسي. الحجز باسمي، والمدفوعات باسمي. نعم، لدي الصلاحية. قالت حسنًا. سيتم التحديث خلال دقائق. بعدها لم أتوقف.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.